الشيخ محمد هادي معرفة
404
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
« وَكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً » « 1 » قال هاشم العربي : كان الصواب أن يقول : وكان قدّامهم . . . « 2 » قلت : ما أقبح بالرجل لاعلم له بالعربية وهو يتجرّأ في تخطئة أقدم وأقوم كلام عربي رصين . القرآن أصحّ سند عتيد حفظ على العرب لغتهم الأصيلة ، ولا تزال العرب تعرف أصالتها من القرآن وتستلهم أساليب كلامها من تعابير القرآن ، هذا ما يبدو من العرب خضوعهم تجاه عظمة القرآن ، سواءٌ أكانوا ممّن آمنوا به وصدّقوه وحيا - وهم الأكثرية الساحقة - أم الذين بقوا على جاهليّتهم الأولى وهم النزر اليسير . لكنّهم جميعا بخعوا أمام كبرياء هذا الكتاب وجبروت هذا الكلام . فيالصاحبنا المسكين يخطّئ ويصوّب فيما لا شأن له ؟ ! إنّ كلمة « وراء » في هكذا موارد من استعمالاتها يراد بها : الكارثة الخطيرة التي تتعقّبهم في مسيرة الحياة ، والمعنى أنّهم سائرون لاهين ، وتلاحقهم داهية دهماء تسعى وراءهم للنيل منهم وهم غافلون عنها غير مبالين بها . وهو من ألطف الكنايات . وهذا كما في قوله تعالى : « وَمِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ » . « 3 » « مِنْ وَرائِهِمْ جَهَنَّمُ وَلا يُغْنِي عَنْهُمْ ما كَسَبُوا شَيْئاً » . « 4 » « مِنْ وَرائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقى مِنْ ماءٍ صَدِيدٍ » . « 5 » « وَمِنْ وَرائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ » . « 6 » وهكذا جاء استعماله في الشعر الجاهلي ، قال لبيد : أليس ورائي إن تراخت منيّتي * لزوم العصا تحنى عليها الأصابعُ وقال عبيد : أليس ورائي إن تراخت منيّتى * أدبُّ مع الولدان أزحف كالنسر وقال المرقش :
--> ( 1 ) - الكهف 79 : 18 . ( 2 ) - ملحق ترجمة كتاب الإسلام ، ص 426 . ( 3 ) - المؤمنون 100 : 23 . ( 4 ) - الجاثية 10 : 45 . ( 5 ) - إبراهيم 16 : 14 . ( 6 ) - إبراهيم 17 : 14 .